بواسطة: khalid بتاريخ : الأربعاء 03-09-1429 هـ 02:02 مساء
إن الحمد لله... أما بعد:
أيها الناس: فإن دين الإسلام دين كامل، به رفع الله أمة العرب وغيرهم، بما احتواه من فضائل، وما ضمه من صفات كوامل.
هذا الدين الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الجهل إلى العلم، ومن الضلالة إلى الهدى {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}، وما رضيه الله فلن يسخط منه أبد، {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
دين كامل في العبادات، كامل في السلوك والأخلاق، كامل في بعده عن المكروهات، ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ترك الأمة على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، وما مات حتى علم الأمة كل شيء، فصلوات الله وسلامه عليه، نشهد أنه قد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فاللهم اجزه عن أمته خير ما جزيت نبياً عن أمته.
عباد الله: ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه من وصايا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه».
هذه أوصاف عظيمة صدرها النبي صلى الله عليه وسلم بوصف الإيمان ليبين أنها داخلة فيه، وأنها تزيده، وأن تركها ينقص الإيمان.
وأعمال الإيمان يا عباد الله تارة تتعلق بحقوق الله كأداء الواجبات، وترك المحرمات، ومن ذلك قول الخير والصمت عن غيره، وتارة تتعلق بحقوق عباده كإكرام الضيف، وإكرام الجار، والكف عن أذاه.
أيها المسلمون: هذه ثلاثة أشياء يؤمر بها المؤمن.
أحدها: قول الخير والصمت عما سواه، فقد ورد أن استقامة اللسان من خصال الإيمان: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه».
الإكثار من الكلام يورد الإنسان المهالك، «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يزل بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب»، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: «وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم»، وهو موجب لقساوة القلب التي تبعد الإنسان عن الله فقد ورد عن ابن عمر: «لا تكثروا من الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله يقسي القلب، وإن أبعد الناس عن الله القلب القاسي».
وقال عمر رضى الله عنه: «من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به».
ولقد كان السلف – رحمهم الله – يخشون أشد الخشية من ألسنتهم، ويرون أنها سبب لكثير من ذنوبهم، كان أبو بكر الصديق رضى الله عنه وهو أكثر الأمة إيماناً يأخذ بلسانه ويقول: «هذا الذي أوردني الموارد».
وقال ابن مسعود رضى الله عنه: «والله الذي لا إله إلا هو ما على الأرض أحق بطول سجن من اللسان»، وقال وهب بن منبه أحد التابعين: «أجمعت الحكماء على أن رأس الحكم الصمت».
عباد الله: من تأمل قول الله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، وعلم علم اليقين أنه راجع إلى الله سبحانه، فليحفظ لسانه، وليستعد للقاء ربه، فسيعرض على العبد يوم القيامة كل قول وعمل ومن شغل نفسه بذكر الله لم يزلّ لسانه فيما يغضب الله عز وجل، ومن جاهد نفسه في حفظ لسانه، وزلّ بعض الزلل فليذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من جلس مجلساً فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا كفر له ما كان في مجلسه ذلك» رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح.
الثاني مما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم إكرام الجار، وفي بعض الروايات النهي عن أذى الجار، أما أذى الجار فإنه محرم، فإن الأذى بغير حق محرم لكل أحد، ولكن في حق الجار هو أشد تحريماً.
خرج الإمام أحمد عن أبي هريرة، قال: قيل يا رسول الله، إن فلانة تصلي الليل وتصوم النهار، وفي لسانها شيء تؤذي جيرانها سليطة، قال: «لا خير فيها هي في النار»، وقيل له: إن فلانة تصلي المكتوبة،وتصوم رمضان، وتتصدق بالأثوار – وهو الأقط – ليس لها شيء غيره، ولا تؤذي بلسانها جيرانها، قال: «هي في الجنة».
وقد أمر الله بإكرام الجار، والإحسان إليه في قوله: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً}.
وإكرام الجار والإحسان إليه أنواع كثيرة منها مواساته عند الحاجة، ففي الحديث «ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع».
ومنها أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وعدم الاستطالة عليه بالبناء، وعيادته إذا مرض، وتعزيته بمصابه، واتباع جنازته.
وفي المسند عن عبدالله بن عمرو بن العاص أنه ذبح شاة، فقال: هل أهديتم منها لجارنا اليهودي، قال ذلك ثلاث مرات ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»
بارك الله لي ولكم ...
الخطبة الثانية:
الحمد لله هدانا لأقوم طريق.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبدالله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان.
أيها الناس: اتقوا الله، فمن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب.
عباد الله: ومن وصايا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث إكرام الضيف، وإكرام الضيف واجب يوماً وليلة، فما زاد فهو نافلة، قال الإمام أحمد: «له المطالبة بذلك إذا منعه لأنه حق له واجب». وهي واجبة للمسلم والكافر.
وليس للضيف أن ينزل عند رجل لا يستطيع ضيافته، لقول النبي : «ولا يحل له أن يقيم عنده حتى يحرجه».
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه..