بواسطة: khalid بتاريخ : الأربعاء 03-09-1429 هـ 02:01 مساء
إن الحمد لله.. أما بعد:
أيها الناس: اتقوا الله، وتذكروا نعمه عليكم، واشكروه عليها بالعمل الصالح، فإن من شكر زاده الله توفيقاً ونعمة، {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}.
عباد الله: نعم الله كثيرة لا تحصى، فهو الذي خلقنا، وأوجدنا في هذه الحياة من العدم، وهو الذي هدانا للإيمان، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، أنعم علينا بالصحة والأمن، ورزقنا من الطيبات، وقد حُرم منها كثير من الناس، وفضلنا على كثير من خلق تفضيلاً، {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}.
أيها المسلمون: إن النعم إذا شكرت زادت واستقرت، وإذا كفرت وجحدت زالت، {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ}، وإن أول ما يجب على الإنسان فعله إذا رأى نعمة الله أن ينسبها إلى ربه، فيعتقد موقناً أن الله هو المنعم المتفضل بها، وفي الصحيحين عن زيد بن خالد الجهني رضى الله عنه أنه قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف، أقبل على الناس فقال: «هل تدرون ماذا قال ربكم؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب».
فمن نسب نعمة الله إلى غيره دخل في هذا الحديث، فالله لم يجعل النوء سبباً لإنزال المطر فيه، وإنما هو فضل من الله ورحمة، يحبسه إذا شاء، وينزله إذا شاء، فدل هذا الحديث على أنه لا يجوز لأحد أن يضيف أفعال الله إلى غيره.
ومما يجب على الإنسان فعله عند النعم، شكر الله عليها، قولاً وفعلاً، فيحمد الله على نعمته، ويستعين بها على طاعة الله سبحانه، والشكر يكون بالقول والفعل والاعتقاد، وهذا هو العمل الصالح الذي أمر الله به المرسلين وأمر به المؤمنين، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ }، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}».
ومن شكر الله على نعمه التحدث بها، إظهاراً لنعمة الله وابتعاداً عن جحدها لا افتخاراً على الخلق، وازدراء لهم، فإن الله إذا أنعم على عبد أحب أن يرى أثر نعمته عليه.
ومن شكر نعمة الله أن الإنسان إذا رأى مبتلىً ببلوى حمد الله إذ عافاه من هذا الابتلاء، فيقول: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به، وفضلني على كثير من عباده تفضيلاً.
ومما ينبغي للمسلم أن يطلب من ربه الإعانة على الشكر، فإنه إن لم يعنه لم يستطع شكر نعمة الله، عن معاذ بن جبل رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده فقال: «يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك»، فقال: «أوصيك يا معاذ، لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» رواه أبوداود والنسائي.
واعلم يا عبدالله أنك لن تشكر الله حق شكره حتى تشكر الناس على إحسانهم إليك، فتثيبهم وتدعو لهم، وتثني عليهم بما هم أهله ففي الحديث: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس» رواه أبوداود والترمذي من حديث أبي هريرة، وفي الحديث الآخر: «من صنع إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له، ومن صُنع إليه معروف فقال لصاحبه: جزاك الله خيراً فقد أبلغ الثناء» أخرجه الترمذي عن أسامة.
وفي أسماء الله سبحانه الشكور، الذي يشكر عباده على أعمالهم الصالحة فيثيبهم عليها، ويثني عليهم بها، ويباهي بهم ملائكته. والذي يشكره عباده فيعملون له صالحاً، ويثنون عليه سبحانه بها.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ }، {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
بارك الله لي ولكم ...
الخطبة الثانية:
الحمد لله منّ علينا بكثير النعم، ودفع عنا النقم، وجعل أمة محمد خير الأمم.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك، خلقنا من العدم، وأشهد أن محمداً عبدالله ورسوله، المصطفى على سائر الأمم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه السادة والتابعين لهم بإحسان، أما بعد:
فاتقوا الله عباد الله واعلموا أن من أعظم ما يجلب الشكر وييسره أن ينظر الإنسان إلى من هو دونه في الفضل والمال والصحة والخلق، فيعلم مقدار نعمة الله عليه، ولهذا جاء في الحديث عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم».
أما في أمور الدين والعلم، فإن الإنسان ينظر إلى من هو فوقه ليلحق به، ولهذا كان عمر رضى الله عنه ينظر إلى أبي بكر ويسابقه في أعمال الخير، فاتقوا الله عباد الله، وأدوا حق الله عليكم بشكر نعمه...